سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

203

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

أعدل منّا ؟ فاستهدمه حائط جامعه بعد أن أخذه من اليهودي بقهر وغلب - وبغير الرضا - الأمر المشهور ، المعروف . « هذا مثال من العدل الذي بقي قدوة ومثالا ؛ لأنه صدر عن حب حقيقي لمجرد العدل . وأما ما جاء من العدل في ظاهر أعمال بعض الملوك ، عفوا عن غير حب في إجراء العدل ذاته ، فقد ذهب ومضى مع من ذهب وقضى من الملوك ، ولم يبق له من المحمدة أثر وإن ذكر فعلى سبيل الاستدلال على التفريط والضعف في الحزم . « مثل ما ذكر عن أحد أجداد كسرى نفسه : قيل إن أبرويز دخل قرية من أعمال ملكه فرأى فتاة حسناء ، أعجبته وفتن بها ولكي يتقرب من فؤادها ويشغفها بحبه ، أمر برفع المظالم عن القرية وجوارها ! وعفاهم من دفع الخراج ، وأسبغ على تلك المقاطعة من النعم ما لا يحصى ! ولو قيس ما صرف من الأموال في سبيل تلك الفتاة ، إلى ثمن بيت الأرملة التي لم تبعه من كسرى وعفّ لها عنه ، كان كنسبة الدانق للمليون ومع ذلك ! فربما كان عمل أبرويز في حينه وفي نظر أهل القرية وجوارهم عدلا وكرما - ولكنه لم يثمر ثمرا صالحا - ولا قدوة حسنة ، ولم يكن له في الأخلاف ذلك الذكر الحميد بل ذهب وانقضى بانقضاء الغرض وانطوى مع فاعله وذلك كله لأنه لم يقصد به العدل المجرد . « وأما عمل كسرى ذلك العمل البسيط بذاته ، العظيم بنتيجته وهو قبوله انحراف إيانه - ذلك الشين المعيب - لذلك البناء الرحب المهيب ، دون أن يكره عجوزا فقيرة على ابتياع بيتها منها ولو كان به زخرف الإيوان وسلامته من العيب والنقصان . فأثمر عدله وتحدى به أعدل الخلفاء وهدد به أكبر العمال . هذا هو العدل الذي يبقى وينتج للبشر خيرا ويكون أبلغ عبرة وذكرى . « يذكر المنصفون من مؤرخي الإفرنج وغيرهم ، عدل المسلمين الفاتحين في الرهبان والولدان والشيوخ ويترجمون وصايا وسيرة الخلفاء وسير قادة الجيوش على تلك السنن وعدلهم ورأفتهم بالأسرى . وما كان يجري من العدل ، لم يكن لغرض ولا عن غرور ، بل حبا للعدل واعتقادا أنه واجب تتطلبه الإنسانية ويأمر به الشرع ، فبقيت لتلك الأعمال والآثار خير أحدوثة وأقدس مثال وأحسن ذكرى لاتقوى